الشيخ محمد رشيد رضا
72
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ) فأجمعتم كيدكم لنا في هذه المدينة لأجل أن تخرجوا منها أهلها المصريين بسحركم - وهو ما كان اتهم به موسى وحده - ويكون لكم فيها مع بني إسرائيل ما هو لنا الآن من الملك والكبرياء كما حكاه تعالى عن فرعون وملئه في سورة يونس - فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ما يحل بكم من العذاب ، جزاء على هذا المكر والخداع ، وبين ذلك بقوله : لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ أي أقسم لأفعلن كذا وكذا في عقابكم والتنكيل بكم وهو قطع الأيدي والأرجل من خلاف كأن يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى أو العكس ، ثم لاصلبن كل واحد منكم وهو على هذه الحالة المشوهة لتكونوا عبرة لمن تحدثه نفسه بالكيد لنا ، أو بالخروج عن سلطاننا ، والترفع عن الخضوع لعظمتنا . وقد تقدم الكلام على هذه الالفاظ في العقاب الذي هدد به البغاة من سورة المائدة . ومن المعقول ما قاله بعض المفسرين من كون اتهام فرعون للسحرة بالمكر والكيد له وللمصريين ، وبتواطئهم مع موسى للادالة منهم لبني إسرائيل - انما كان تمويها على قومه المصريين لئلا يتبعوا السحرة في الايمان ، ويقع ما خافه وقدره واتهم به موسى عليه السّلام ، فهو على عتوه على الخلق ، وعلوه في الأرض ، قد خاف عاقبة ايمان الشعب ، وافتقر على ادعائه الربوبية إلى إيهامهم بأنه لا ينتقم من السحرة الاحبا فيهم ، ودفاعا عنهم ، واستبقاء لاستقلالهم في وطنهم ، ومحافظتهم على دينهم وكذلك يفعل كل ملك وكل رئيس مستبد في شعب يخاف أن ينتقض عليه باجتماع كلمته على زعيم آخر بدعوة دينيه أو سياسية ، وما من شعب عرف نفسه وحقوقه وتعارف بعض أفراده وتعاونوا على صون هذه الحقوق ، الا وتعذر استبداد الافراد فيهم وان كانوا ملوكا جبارين ( مباحث لغوية بيانية فيما اختلف فيه التعبير من قصة موسى في السور المتعددة ) ومن مباحث المقابلة والتنظير بين سياق هذه السورة في القصة وسياق غيرها أنه زاد في سورة الشعراء اللام في حرف التسويف فقال : ( فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) ولم يذكر هذا التسويف في سورة طه . قال الإسكافي في هذه اللام إنها تدل على تقريب ما خوفهم به حتى كأنه حاضر موجود ( قال ) : « واللام للحال والجمع بينها وبين سوف التي للاستقبال إنما هو تحقيق الفعل وادناؤه